عن موقع
http://shabab.assafir.com
بقلم: سحر مندور
سحر مندور
02/02/2011
إلى ابن النيل الذي لم يراوده يوما شك بناسها.. محمد خير
في حب مصر، يقال الكثير، ودائماً.
في تعبها، وفي فقرها، وفي إحباطها، تُعشق، ولا يُتخلَّى عنها، ولا يُيأس منها.
في عصبيتها، وفي شوفينيّتها، وفي رفضها للنقد، تُحترم، وتُسمع أسبابها، فلديها منها الكثير.
لديها من أسباب الحب والاحترام الكثير.
فهي لم تهدأ ولم تكنّ، على مر السنوات الطويلة الصعبة الأخيرة.
بدماء الصحافيين المسحولين على الأرض، صدرت الصحف المعارضة. لم تصدر كـ«تنفيسة» أقدم عليها النظام، ولا صدرت هكذا، بالنكتة.
وبدماء المساجين والمضروبين والمضطهدين والمعذّبين في الزنازين، سارت التظاهرات، على مرّ السنوات، رافعة شعارات لا تصدح عادةً في العالم العربي، لا من محيطه ولا من خليجه، ترفض توريث الحكم، وتقول للحاكم حكمك باطل.
وبكل جنيه حُرم منه مستحقّه، وبكل جنيه تبرّع به فقير ليفتتح في بلده مركزاً طبياً أنشئ بالاكتتاب، وبكل جنيه دفعه شاب لينشر كتاباً أولاً ثم ثانياً فثالثاً، حتى تسجّل لمصر ثورةٌ في مجال النشر، ويصبح للمحروسة قوت جديد من الأدباء والشعراء.. بكل جنيه مصري، بكل قرش صاغ، عاش الشعب زمناً صعباً، ولم يغفل خلاله بل أنتج، وغفل الناس عنه، ظنوه خدراً ساهياً قاصراً، لم يروا انجازاته اليومية الصغيرة التي تراكم وتتراكم، فعالجهم بالرفض حين انتقدوه.
رفض المصري النقد خلال السنوات الطويلة الماضية، وتعصّب لبلده ضد كل ناقدٍ، لأنه كان ينتزع يومياً ومع كل شهيق وزفير، وبأظافر اليدين، وبالأسنان، لحظةً تبقيه حياً، وتمهّد الطريق للغد.
أجمل ما فيك يا مصر هم ناسك.
هم الصعب والتعب والعيش ضمن حدودهما الضيقة التي لا تزداد إلا ضيقاً.
أجمل ما فيك يا مصر، هم ناسك، الذين كلما أوقفت الكاميرات الباحثة عن تصريح واحداً منهم، أتى على لسانه الوضوح. ولم يأت على لسان أي منهم ما يعزل المتفرّج عن الصورة! قال المتظاهرون بحقوقهم بالحياة الكريمة، وبضرورة محاكمة الطاغية، وبحماية الممتلكات العامة، ولم يقل المتظاهرون بحرق مصر، ولا بحق الدين، ولا بجاهل التصريح. قال المتظاهرون: نحن نعرف، ونحن الحلم.
فأين البديهية في خبرٍ عاجل يفيد بأن شباب مصر يشكلون دروعاً بشرية لحماية المتحف المصري؟ أين البديهية في ثورة تهرع لحماية آثارها، وفنّها، تقدّره، تحميه بالروح، تصون القصة بأكملها، ولا تستبيح عصراً لصالح عصر؟
أين البديهية في وحدة شعب الثمانين مليون مصري، على حماية بيوتهم وشوارعهم وتنظيفها وتنظيم مرورها بما يحفظ لها حياتها المدنية، ودولتها؟ أين البديهية في وحدة شعب الثمانين مليون مصري، على هتاف واحد يشقّ سماءنا العربية، وبقبضة واحدة، نتمسك جميعنا بها كلما رفعها أسمرٌ وسمراء، لترفعنا معها، تحررنا معها، تعيدنا إلى الحب، والمواطنة، تعيدنا إلى كلمة الحق الخالية من وجهات النظر.
شباب مصر، أنتم أبطال. وتلك ليست وجهة نظر.
تحيا مصر بكم، ولأجلكم.. ومن بعدكم، تحيا لنا، «عزيزةً في الأمم».
تحيا مصر التي تصنع لنا غداً أجمل.
أنتم تصنعون لكل مواطنٍ يعيش يومه في الظلم، غداً أجمل. أنتم تسقطون من آذاننا كل تلك النظريات الثقافوية الداعية إلى شطب الثورات من قواميس العصر، والاستكانة إلى «تكتيكات» الممكن، التي تشبه في عبثها حكماً بالقهر دام ثلاثين عاما!
أنتم تعيدوننا إلى الأمل، وإلى القبضة المرفوعة ضد الظلم أينما حلّ، وضد الطوائف التي تبتز ولا تؤسس، وضد الشركات التجارية التي تحمي الطاغية من مستهلكي منتجاتها.
أنتم تعيدوننا إلى اللغة الجميلة، اللغة التي تدمع لها الأعين تأثراً وتماهياً، تعيدوننا إلى معنى الفداء، ومعنى التضحية، ومعنى الحياة.
أنتم تعيدوننا إلى الثورة، بلا أجندة سياسية، ولا أحلاف استراتيجية، ولا كلمات ثقافوية فارغة تدّعي المعرفة بالعصر، لتفرض الخضوع للنظام العالمي الحاكم مدخلاً إلى العصر.
بفضلكم، لن نعود إلى البيت مشغولين بحدود الممكن.
بفضلكم، نسير على الأرض بأقدام تنصهر بترابها، وتحلق في آن فوق الإسفلت، أعناقنا تشدّ إلى أعلى، أحلامنا تشدّ إلى أبعد، وعيوننا تطلب المستحيل.
أنتم تعيدون إلى الناس الثقة. أنتم تعيدون إلى الناس حقهم بالوجود.
لقد سقط زين العابدين بن علي. لقد سقط حسني مبارك. لقد سقط 22 طاغية وأكثر. وسقط معهم جميعاً خطاب النهايات.
أنتم بدايتنا. أنتم نبضنا. أنتم عصرنا الحديث. وأنتم الأهل، والأصدقاء، والأحباء.
تحيا مصر، يحيا الشعب، تحيا الثورة.
تلك كلمات كانت لتبدو سخيفة، وتعتبر خشبية، قبل أيام قليلة.
شكراً لكم، فقد أعدتم إلينا جمال اللغة، وحب الكلام.
عن موقع
|عزمي بشارة|
بداية النهاية:
عزمي بشارة
1.
انتهت مرحلة عربية. وقد تميّز فصل الختام الطويل بالتخلص حتى من المظهر الإيديولوجي، وبتقارب شكل الأنظمة العربية حتى انتهت إلى مركّب يكاد يعم عربيا لتشترك فيه الجمهوريات والملكيات. وتشمل عناصر هذا المركب أسرا حاكمة (بحزب، أو من دون حزب)، والأجهزة الأمنية التي دخلت السياسة بشكل علني، ورجال الأعمال الجدد، الذين يختلطون في علاقات القرابة والمصاهرة والصداقة مع رجالات السياسة والأمن. لقد نشأت طبقة حاكمة جديدة, وبدا لفترة كأن هذه الخاتمة هي المستقبل القاتم ذاته
2.
كان واضحا أن أسوأ ما في نهاية المرحلة السابقة هو هذه الخاتمة السلطانية المملوكية البائسة التي بدت مستديمة أو مستدامة. وبدا وكلاء المرحلة واثقين من أنفسهم إلى
درجة المجاهرة والتباهي بالفساد (الناجم عن تداخل السياسة والأمن والاقتصاد وعن غياب الفاصل بين الحيز الخاص والعام)، وإلى درجة الإعداد لتوريث الأبناء في الجمهوريات العربية كافة
3.
وكان المثير للقلق والإحباط أن ملامح المرحلة القادمة لم تتضح بعد، وأن المجتمعات العربية سوف تبقى رهن هذه المجموعات الحاكمة التي تجمع النيو- اللبرالية الاقتصادية (وهي في ظل علاقات المحسوبية والزبائنية لا تعني إلا الفساد) بالاستبداد السياسي. لم تمر على العرب حالة انسداد أفق شبيهة من الاستبداد والعوز والفقر والفساد وانهيار مجتمعات الإنتاج ونشوء المجتمعات الاستهلاكية وفقدان السيادة، والتبعية للغرب من دون احترام للذات، كاد العرب خلالها ينسون عناصر قوتهم وهي كثيرة.
4.
تعلن الثورة الشعبية المجيدة في تونس نهايةِ هذه الخاتمة البائسة عربيا. والأهم أنها تبشّر بالإمكانيات الكامنة في المرحلة القادمة. لقد فتحت المدى مجددا وبانت ملامح الأفق.
5.
بدأت ثورة تونس الشعبية المجيدة بانتفاضات خبز محلية تكررت عدة مرات في وسط وجنوب البلاد في العامين الأخيرين. ولكن الانتفاضة الأخيرة دامت زمنا يكفي كي تنضم إليها المدن والنواحي التونسية الأخرى. ويعود الفضل في ديمومتها إلى عناد وبسالة أهالي ناحية سيدي بو زيد الذين اختلط لديهم المطلب الاجتماعي بالغضب والدفاع عن الكرامة التي تمثلت في حرق شاب لنفسه رافضا تقبل العجز في مواجهة الإذلال. كانت البداية إذا انتفاضة الخبز والكرامة، وليس الخبز وحده. هذا المركب من رفض الحرمان ورفض الذل هو الذي يؤدي للعناد في التعبير عن الغضب.
6.
كان الفساد موجودا دائما، ولكنه لم يكون يوما بهذه الصفاقة. وقد أثبتت الأحداث التونسية أن الشعوب تنفر من الفساد، ولا تعتبره نوعا من سوء الإدارة، بل تراه من أنواع الظلم. يثير فيها من الغضب أكثر مما يثيره الفقر وحده. فقد يرضى الناس بالفقر لحين إذا اعتقدوا أنه واقعٌ غيرَ ناجمٍ عن ظلم. الفساد الظاهر للعيان هو أكثر ما يشعر الناس بأن حالة الفقر هي حالة ظلم وحرمان.
7.
وامتدت الثورة إلى سائر أرجاء تونس، وجوبهت بالقمع. وكان الثمن باهظا. ولكن ما أن أدركت الجموع قوتها واكتشفت شجاعتها التي كانت دائما في حالة كمون حتى أصبح وقفها شبه مستحيل.
8.
ليست كل انتفاضة خبز مرشحة للتوسع والامتداد حتى التحول إلى ثورة. وقد نجحت في التمدد في هذه الحالة لأسباب عديدة، أهمها:
أ. رد فعل الدولة المستخف بذكاء الناس، ورد فعل الأجهزة الأمنية المستهتر بحياة الناس.
ب. أن تونس أصبحت ناضجًة لرفض الوضع القائم من قبل الفئات الاجتماعية المتضررة من التمييز والاستغلال، والمتأذية من اقتصاد النمو دون تنمية، ومن الاقتصاد السياحي الذي يغني ويطوّر مناطقَ، ويُفقِرُ أخرى، ويرفع أسعار العقارات دون نمو لسائر فئات المجتمع. وفقد الاقتصاد الذي يعتمد على صناعات صغيرة تصدر لأوروبا أهليته للمنافسة حين دخلت الصين منظمة التجارة الحرة، وانحسرت صناعة النسيج والألبسة التونسية وزادت نسب البطالة.
ج. في هذه الحالة عادت حتى انجازات النظام السابق وبالا عليه. فقد ارتفعت نسبة التعليم في تونس فعلا، وقد اهتم نظاما بورقيبة وبن علي بالتعليم فعلا. ولكن نسب التعليم المرتفعة تتحول إلى عبء على النظام في حالة عدم تمكنه من توفير فرض عمل للخريجين، في الوقت الذي ترفع فيه نسبة التوقعات عند المتعلمين لمستقبل أفضل. فحجم الخيبة غالبا ما يكون بقدر حجم التوقعات. ويرفع التعليم نسبة التوقعات، كما يرفع منسوب الوعي الرافض للظلم والفساد.
9.
نجد جزء كبيرا من هذه الحالات قائما في الدول العربية كافة، ونضيف إليه التفجر السكاني الشبابي في كافة الدولة، وهو ينذر بحالات بطالة واسعة، وعدم استيعاب سوق
العمل للخريجين وغير الخريجين، ما سوف يؤدي الى عدم استقرار في ظل السياسات الاقتصادية الراهنة في المجتمعات العربية جميعها. فماذا يميّز تونس؟
خصوصية تونس
10.
لقد تفاوتت درجات الاستبداد القائمة بين النظم العربية التي تقوم على المركّب المفصّل أعلاه. فمنها من أتاح نشوء الأحزاب الصورية أو المختَرَقة بالموالين للنظام وبممثلي الأجهزة، ومنها من أتاح حرية للإعلام إلى سقف محدد واخترقه بوسائل أخرى مثل عيون وآذان الأمن وبإفساد جزء من الصحفيين. ومنها من أتاح متنفسا للناس. ومن الأنظمة الاستبدادية من تبنى قضية وخطابا إيديولوجيا يتطابق مع المزاج الشعبي السائد.
11.
كانت حالة تونس أشبه بحالة دولة بوليسية لم تتح فيها أية فسحة حرية للإعلام، ووصل فيها تسامح النظام مع الأحزاب القليلة المسموح بها الى 3% من الأصوات، كما لم يحترم النظام حقوق الإنسان والمواطن بل داسها بحذاء الأجهزة الأمنية. وتجاهل النظام ندءات منظمات حقوق الإنسان التونسية والغربية، التي يقال لصالحها أنها ثابرت في فضحه رغم صداقة الغرب للنظام وتجاهل دوله لفظاظة النظام في الدوس على حقوق الإنسان.
12.
لم يترك النظام في تونس أي مجال، أو هامش لفئات وسيطة بين الدولة والشعب، أو حتى لمعارضات نصف فعلية يمكنها أن تربك حركة الشارع بشعارات مزدوجة كما تفعل الأحزاب المصرية مثلا.
13.
النظام التونسي هو أيضا نظام بلا قضية. دكتاتوريته رمادية لا صلة لها بمزاج الشارع والرأي العام. وقد بدا غير مبال بشكل كامل بالقضايا العربية، ورتّب علاقاته مع إسرائيل منذ أوسلو، وجعل قبلته الشمال بشكل سافر وعلني. ولم يكن لديه ما يتباهى به سوى العلمانوية التي عمت أعين الكثير من المثقفين والفنانين وغيرهم عن رؤية طبيعة النظام الحقيقية. فالعلمانية لا تكلفي للتدليل على شيء، وهي ليست نظام حكم، ولا هي سياسة اقتصادية اجتماعية. وتوسعت الفئات المتضررة منه المتدينة والعلمانية على حد سواء.
14.
والمجتمع التونسي مجتمع متجانس لا يتحوّل فيه الصراع بسهولة إلى صراع طائفي أو عشائري. ولا تتحوّل فيه الصراعات الطبقية والسياسية إلى صراعات على مستوى الهويّات الجزئية. ففي المجتمعات غير المتجانسة التي يراهن فيها النظام الاستبدادي على التفرقة الاجتماعية..
15.
في المجتمع التونسي طبقة وسطى واسعة، ونسب تعليم عالية.
(هذه العوامل مجتمعة هي التي جعلتنا نتوقع بناء على تحليل علمي وليس بناء على خطاب الأماني قبل أكثر من عشر سنوات في كتاب المجتمع المدني وقبل ثلاث أعوام في كتاب المسألة العربية أن تونس دولة مرشحة للتحول الديمقراطي).
التحوّل
16.
وصل الاحتجاج إلى العاصمة بعد أقل من شهر. فما هي البداية. هل هي أحداث سيدي بوزيد، أم حين امتدت إلى المدن الأخرى فتميّزت بذلك عن انتفاضةِ خبزٍ في ناحية، أم حين دخلت العاصمة واضطرت الجيش إلى الحسم بين ولائه للنظام وولائه للدولة؟ ليس مهما أين كانت البداية، المهم أنها امتدت بشكل كافٍ رغم التضحيات، وأنها وجدت حالة اجتماعية شعبية جاهزة لاستقبالها.
17.
ميَز الجيش بين الدولة والنظام. رفض تنفيذ الأوامر بإطلاق النار على المتظاهرين في العاصمة، واكتفى بحماية المنشآت العامة مفضّلا سقوط النظام على أن يرتكب مذبحة بحق المدنيين في تونس.
18.
غادر الرئيس بن علي مخلفا وراءه كل رجالات الدولة. لم يحاول حتى أن يقف مع حزبه ذي السبعين ألف متفرغ، وصفر قضايا. وهؤلاء فضلوا التخلّي عن الأسرة الحاكمة والحفاظ على أنفسهم.
19.
لقد رفض الغرب الاستعماري ممثلا بفرنسا استقبال بن علي وحتى عائلته، وقد حيّى الرئيس الأميركي المنافق شجاعة الشعب التونسي. وكان حتى ذلك الحين يحيّي النظام التونسي كنموذج للتحديث والنمو. لا تحسب هذه الخطوات للسياسة الغربية بل عليها. وليس صحيحا القول إنها خطوات جيدة سلبيتها أنها جاءت متأخرة. إنها مواقف سيئة في كافة الحالات. فقد وقفت فرنسا وأميركا مع الديكتاتورية والاستبداد حين كان ذلك لمصلحتها، ثم تنكَرت لصديقها وقت الضيق كما فعلت في كل مرة. والتنكر للأصدقاء حين الحاجة هي صفة ردئية، بغض النظر عن نوع الأصدقاء. واهمٌ كلّ من يعتقد أن للسياسة الغربية أصدقاء. واهمٌ كل من يحسب السياسي الغربي أكثر من رجل صغير وانتهازي يحاول أن يمكث في الحكم وأن ينتخب مرة أخرى على الأكثر يذهب بعدها إلى بيته.
20.
بدأت ثورة تونس عفوية، ولكنها لم تستمر كذلك، إذ انضمت النقابات والمنظمات الحقوقية ونشطاء قوى سياسة واتحادات الطلاب إلى الاحتجاجات. وحتى حينها لم تكن للانتفاضة قيادة سياسية معارضة معروفة.
21.
هذا لا يعني أنه يمنع على الأحزاب السياسية استثمار الثورة من أجل التغيير الديمقراطي. فهذا دورها. قد تكون الثورة عفوية، وقد تكون الفوضى الأولى من عناصر قوتها، ولكن العفوية تصبح ضعفا وخطرا حين يتطلب الأمر إدارة المجتمعات والدول، إذ يصبح الأمن الشخصي والاجتماعي وتنظيم الحياة العامة مطلب المجتمع.
22.
تختلط الانتهازية بالمبدئية في الحالات الانتقالية، إذ يحاول الجميع الظهور بمظهر الناقد للنظام والمعارض للنظام السابق، حتى زبائنه المستفيدين منه، وحتى من كانوا يشون بالناس. هذه الظواهر طبيعية وغير مقلقة. فالانتهازيون يقفون مع المنتصر وإلا لما كان منتصرا، ولما كانوا انتهازيين. ولكن يجب التنبيه من أن يسيطروا على المؤسسة من جديد، خاصة أن لديهم الخبرة. أما الفوضى فمقلقة. تميّز الفوضى المراحل الانتقالية كما في الثورات الشعبية كافة قبل أن تتفق النخب على قواعد اللعبة الجديدة. ومن المهم أن يحصل اتفاق فوري على طبيعة المرحلة الانتقالية.
23.
فإما أن تدوم الفوضى حتى انقلاب عسكري، أو تقبض نخب النظام القائم، بدعم من الجيش، على الحكم. ولكي تحافظ على نفسها تقوم بعقد صفقة تعددية سياسية مع القوى السياسية الأخرى، وتتفق على قواعد لعبة تنظمهاـ تتضمن هذه القواعد حماية نفسها، وربما عودتها إلى الحكم يوما ما كحزب سياسي في إطار نظام تعددي. وهذا يعني فترة انتقالية تعقبها انتخابات. والفترة الانتقالية هي فترة تفاوض على طبيعة النظام القادم. إذا تم ذلك تكون تونس أول دولة عربية تحقق انتقالا نحو الديمقراطية، بذلك تصنع تاريخها، وتفتتح تاريخا عربيا جديدا
المجد والخلود لشهداء تونس الأحرار
(عن “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات”)
لأيمتى بدنا نضل متلقيين؟ لأيمتى بدنا نضل رد فعل لغيرنا؟ لأيمتى بدّو يضل ميّة وخمسين بني آدم يزقفو لواحد واقف على المسرح؟ آن الأوان لتصحيح المعادلة، آن أوان الفعل، أجى الوقت اللي يطلعوا المية وخمسين على المسرح وينزل الواحد عن المسرح ويزقفلهم!
هاي مش خطبة عصماء، ولا إلها أي بُعْد وطني ولا فلسفي ولا غيره، ما تتعب حالك وتفكر برمزيتها، هاي حوار ذاتي داخلي عميق ومتأجج ومشتعل كمان! بيحدث بشكل دوري وبينتقل كالعدوى من راس لراس في كل نواحي الوطن وتحديداً في حيفا ورام الله.
ببساطة يا أعزائي نتيجة تمركز وتقوقع النشاط الثقافي والفني على أنواعه في هدول المدينتين صار عند أهلهم حالة من التخمة الفنية والثقافية خلتهم ينتقلوا أو بالأحرى يحاولوا ينتقلوا من خانة جمهور المبدعين ليصيروا همّه نفسهم المبدعين. إنو هالفنان بشو أحسن منّا عشان يضل عالمسرح وإحنا بس بندفع تذاكر!
أعراض الظاهرة:
كثرة السّرحانين والصافنين: بتمرق الصبح على الكافيه (القهوة) بتلاقي شخص محترم مالوش ولا إشي وما بعاني من أي مشاكل نفسية وعلى الرغم من هيك بكون داخل بصفنة نيرفانية رب ربك ما بعرف لوين واصل فيها! حالة تأمّل شنيعة لحفّة الرصيف اللي قدامه، لو بتنزل كاتيوشا بحضنه ما بتقطعها!
إنتشار كاميرات المحترفين: أسهل أنواع الأبداع من وجهة نظر المنتقلين الجدد لصفوف المبدعين هو التصوير الفوتوغرافي؛ كلّ من حضر معرضين على أربع مسرحيات تتخللهم أمسية فنية، بسحب حاله وبيشتريلوا كاميرا “كانون” أو “نيكون” مع عدستين طوال بِلفّوا، أهم إشي يِلفّوا، هو شريها عشان يوقّف قدامك ساعة يلفلف فيها ويقولك شوي بس أزبط الزووم، قرب شوي عشان الفوكَس، ومعطيك الغمزة تبعت شايفك من الخُزُق تفكرنيش مش عارفِلها! وحياتي هي بتكون زابطة من أولها بس لازم إيده تلعب عالعدسة لزوم التفنن، يمكن تشوفوها ظاهرة تصلح للسخرية بس إذا بنشتغل عليها منيح وبنحضّر ملف عن الموضوع بثبت العلاقة الواضحة بين الفعاليات الفنية والثقافية وبين إرتفاع مبيعات الكاميرات الإحترافية. أنا مستعد أقنع شركة “كانون” تصير الراعي الرسمي لمسرحيْ “الميدان” و”القصبة”.
تحول البيوت لأستوديوهات: البيت اللي ما إلو بالفن بحيفا أو رام الله بكون عنده بالقليله تلات آلات موسيقية (عود، جيتار، مزهر) هادول بيجو “بيلت إن” مع البيت. هلأ إذا حابب حضرتك تضيفلك ناي مثلاً على دف على طبل أفريقي كمان ما بضرّ، وأكيد طبعاً في عندك في الزاوية ستاند خشب للرسم، وعلى الطاولة اللي جنبه محطوطه هاي الصينية تبعت سنفور رسّام اللي بخلط عليها الفنان الطفرَه ألوانه الزيتية اللي خربش فيها آخر إبداعاته. وصدقوني “التوقيع” الإشي الوحيد الفني فيها، بِشتغل على المضيه أكتر ما بشتغل عاللوحة، فعلياً هو مش شايف بكل اللوحة غير المضية، هي لوحة المضية أسمها، أما شو لوْحَة.. بتلْوِح لَوِح!
إستنساخ محمود درويش: كل خمسة متر في المناطق المذكورة أعلاها بتصطدم بنسخة محسنة عن درويش، كلّه بكتب –وأنا منهم- كلّه بحكي فصحى- أنا مش منهم. بتلاقيه عالفيسبوك بيقولك (إشتقتك يا صديقي متى اللقاء)!؟ –يعني شو أفرقت إشتقنالك عن أشتقتك يا مميز- وطبعاً كل هدول المبدعين تركوا كل شي بدرويش وركزو على إنو مُبهم! بكتب الواحد فيهم خاطرة مش خاطرة على بال حدا من قبل وبصير يقرألك فيها ويطّلّع بعينيك ليشوف مدى إنبهارك وإعجابك، وفتحة تُمَك الهبلة اللي بتسوّيها لما تكون مش فاهم شو بصير، بفسّرها صاحبنا على إنها ذهول ناتج من تفجّر مواهبه، ولحّق أيميلات عاد كل ما كتبله سطرين!
طبعاّ لسة في عندك الفرق الموسيقية والمسرحية والأصوات اللي طلعت فجأة وبكترة ولا طلعت الحنّون باول الربيع.
يا صديقي إنك تكون ذوّاق ومتلقي جيد وبتسمع موسيقى ملتزمة وبهمّك تحضر معرض فني، وبتفضل فيلم وثائقي هادف على أفلام رامبو وبتقرأ بشكل شبه دائم هذا بحدّ ذاته تميّز؛ زي ما في فنان عادي وفنان متميز كمان في جمهور عادي وجمهور متميز، إنت مبدع كجمهور ولولاك فش مسرح ولا عروض ولا أفلام ولا غيره، خليك في موقعك، إتركك من هالصفنة، وإنساك من كلمة طاقة إيجابية وطاقة سلبية، هاي الكلمة لحالها بتعقدك، سيبك من الوحدة والتأمل. الصبح خود معك صبية إشربو القهوة وإضحكو، تبرعلك بهلآلات لشي معهد –خلي الغيتارة حلوة للديكور- وأرميلي ألوان هالزيت بلاش يوقعوا عالسجادة يعجبولك على سماها، خليك بسيط وبلاها هاي “مبهم”، بطّل حدا “مبهم” عليك يا زلمة. شو بدك في وجع هالراس، الفنان والموهوب بتبين موهبته من أول أكم سنة. فش حدا بتيجيه الموهبة على كَبَر، شو هيي كاينه رسالة النبوة تيجيك عالأربعين!
إسمعوا مني يا جماعة أعطوا الفن لفنانه لو أكل نصّه.
Qadita.net
عن موقع قدّيتا
هذه المشاعر المتشائمة هي مقطع مستلّ من مذكراتي عن زيارتي الأخيرة الى العراق. أمنية كبرى لي أن أشاهد أو أسمع في قابل الأيام من أخبار العراق والعراقيين ما يطيح بهذا التشاؤم ويعيد إلي الأمل بولادة جديدة لأرض الرافدين.
في هذه الزيارة كنت أفتش عن العراقي الذي عرفت، والذي عرفه آخرون أيضاً وسحروا بابداعه وحكمته وشهامته. بصراحة، لم أعثر عليه. هل أنت موجود في أماكن منسية لم أمر بها في زيارتي الخاطفة (أسبوعاً واحداً)؟ أم أنّ شظايا التفجيرات ورصاص الجنون وسكاكين الحقد ومجاهيل المنافي قد أنهت وجودك؟ إنني أرتجف رعباً من هذه الفكرة، فأن تموت يا ابن سومر يعني أن أموت أنا، وأن نموت جميعاً.
بعد كل المصائب التي حلت بالعراقي منذ 2003 الى اليوم، لم يعد له وجود. لقد مات كل ما أحببناه فيه، فمات. لا ألوم عراقياً على ذلك. ألوم فقط المنحرف المعتوه جورج دبليو بوش. يقول إنّ رسالته هي تحرير الشعوب؛ ما أراه هو أن رسالته كانت تسقيط الأفراد والشعوب معاً.
ما وصفه الأصدقاء لي عن طبيعة سير الأمور هنا لا ينطبق عليه وصف السقوط بدقة، وحاولت دون جدوى العثور على وصف أكثر دقة. هناك توصيفات مقاربة، مثل: تطبيع السقوط (أي تبنّيه والعيش بصحبته كحالة دائمة)؛ أو “الفوضى الخلاقة” (أسلوب في الممارسة الاحتلالية نصح به الاسرائيليون سلطة الاحتلال الأمريكية في الأيام الأولى لاحتلال العراق) لكن ليس في المجال العسكري وإنما الاجتماعي حيث يصبح تدمير القيم القديمة شرطاً لخلق وسط أخلاقي جديد يمكن أن يؤسس “عراقاً جديداً” لا علاقة له بما نعرفه نحن العراقيين عن أنفسنا. الفوضى هنا هي فوضى المبادئ! ثمة كلمة تتكرّر هنا عشرات المرات يوميًا في البرلمان والاعلام وكلّ مكان: التوافق! الحكومة والقضاء والاعلام والادارة والمال والمجتمع والقيم والاخلاق و.. و.. كلها تجري بالتوافق! كل شيء يمكن أن يكون عقابه الموت ويمكن أن يكون مقبولاً، وفقا لعلاقته بالتوافق مع الآخرين. منتهى التطرف يتعايش مع منتهى التطرف المقابل بصفقة توافقية! كل شيء صلب عند الحاجة وهشّ عند الحاجة.
أضف الى ذلك حالة جديدة انتشرت مع موجة النهب الشاملة وخلال ثقافة التعامل مع المحتلين، فحواها المنفعة الأنانية المباشرة الفجة، بمعنى انتفاء وجود أي مبدأ أو قيمة شخصية يمكن أن تحول بين الشخص وبين تحقيق رغباته المادية أو الجسدية أو العاطفية. وفي ظل الموت بالصدفة، وتدمير الأُسَر بين التهجير والقتل، اختفت قيمة الحياة نفسها، لتختفي معها أي قيمة لأي شيء.
أريد أن يطلع العراقي يوماً ويصرخ في وجهي: أنت مخطئ، فأنا حي وسأبقى.
سأنتظر ذلك اليوم طول حياتي
Qadita.net
عن موقع قدّيتا
بقلم: مازن محمد
لماذا يقف الرجل موقفا سلبيا من أن تشاركه المرأة العمل؟ قد يصل هذا الموقف حد الحرب عليها,بقوله دائما أن "المرأة وظيفتها في بيتها"لتكون أمّا و زوجة
هذه كلمة حق أريد بها باطل
إن ذلك ما هو إلا جزء أو زاوية بسيطة من سؤال أوسع هو لماذا المرأة تحارَب من قِبل الرجل في حال فكرت أو حاولت أن تنهض أو تثبت ذاتها فهذا يعتبر تمردا بالنسبة للرجل....
ويعتبر انتقاصا من رجولة الرجل,
إذا هي المعادلة: مرأة ذات شخصية قوية حرة تملك رأيها وكلمتها هو هذا انتقاص من رجولة الرجل....
هنا يجب أن نقف قليلا ونفكر مليا لماذا هذا التفسير؟؟؟
هناك سبب خطير وهام وهو ما أعتبره جذر المشكلة وأساسها ولا أحد يعيره أي انتباه وهي مشكلة الرجل الشرقي عموما
إن من أهم أسباب(ولا أقول كلها) العنف ضد المرأة وحالات فشل الزواج ومن ضمن ذلك موقفه السلبي من عمل المرأة خارج البيت هو وجود ما يشبه إضطراب الشخصية عند هؤلاء وهو متفشي في مجتمعنا كالوباء ,وهو (الشخصية الزورانية)
ساعدت على تشكل الشخصية الزورانية عند الجنس الذكري عدة عوامل من أهمها الإجتماعية وثقافة المجتمع المغلوطة وتنشئة الأهل من الصغر
فمن أسباب الخلل طريقة تربية الأهل وخاصة الأب,فكما نعلم الولد سر أبيه أو مرآة أبيه
تبدأ الأعراض بالمراهقة وقد تختلط هذه الأعراض بالأعراض الطبيعية بالمراهقة
وهنا نحن بصدد التركيز على الإنعكاسات الإجتماعية لهذه الأعراض وليس على الأعراض الوصفية بحد ذاتها
وهي أن المراهق يصبح هاجسه وشاغله الشاغل هو اثبات الرجولة من خلال اللجوء للعنف والعصيان وقد يستخدم التدخين وحتى الكحول لإثبات رجولته...
أهم عرض هو أن الشخص ينشغل انشغالا تاما في تفسير كل ما يجري حوله من ردود فعل وتصرفات بأنها مقصودة دائما وهدفها الإسائة له وإهانته, وتتميز أيضا الشخصية بالجدية وفقدانها لروح الدعابة وهو ما نراه كثيرا في مجتمعنا,والتفكير يتميز بالإسقاط أي استمرارية اتهام الآخرين بكل شي يحصل له,وأيضا الحقد ...فهي شخصية حاقدة مع عدم القدرة على الغفران حتى لو أظهر ذلك,مع وجود أفكار الإشارة أي الإحساس الدائم بأن الآخرين يتحدثون عنه ويتغامزون عليه
تستمر هذه الأعراض وهاجس إثبات الرجولة بعد المراهقة بسبب الشعور الدائم بالنقص (خاصة نقص الرجولة) ,ما يهما هنا هو مرحلة الزواج...
فلنتخيل الضحية الكبرى التي ستقع ضحية هذه الأعراض ألا وهي الزوجة خاصة في حال رغبتها في العمل
مشاعر مختلطة تجاهها الغيرة القاتلة الشك الإسقاط الحقد عدم الثقة فمن الطبيعي أن تكون النتيجة هي نقصان لرجولته في حال عمل المرأة